السيد عباس علي الموسوي
356
شرح نهج البلاغة
الشرح هذه الخطبة المباركة من أروع خطب النهج وأرقها تتضمن صفة المتقين بأبدع بيان وأقوى لسان صوّر الإمام حالهم حتى عادوا وكأنهم أمامنا وسببها كما رواه الرضي : ( روي أن صاحبا لأمير المؤمنين عليه السلام يقال له همام كان رجلا عابدا فقال له : يا أمير المؤمنين صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم فتثاقل عليه السلام عن جوابه ثم قال : يا همام إتق اللّه وأحسن ف إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ فلم يقنع همام بهذا القول حتى عزم عليه فحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على النبي صلى اللّه عليه وسلم ثم قال عليه السلام : ( أما بعد فإن اللّه - سبحانه وتعالى - خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم آمنا من معصيتهم لأنه لا تضره معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه ) هذا الرجل - همام - سأل الإمام أن يصف له المتقين حتى كأنه ينظر إليهم فيتأثر بهم ويسلك سلوكهم ويقتدي بهم فتثاقل الإمام ولم يبادر بل تأخر قليلا تشويقا للرجل وترغيبا له في المعرفة ثم قال له : إتق اللّه وأحسن إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ فأجابه بهذا الجواب العام المجمل ولم يدخل في التفاصيل فلم يقتنع همام بهذا الجواب ولم يشف غليله الإجمال فأصّر على الإمام وأقسم عليه أن يوضح له الأمر أكثر من ذلك فحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على النبي وآله ثم ابتدأ عليه السلام : أما بعد حمد اللّه فإن اللّه سبحانه وتعالى خلق الخلق من إنس وجان حين خلقهم غنيا عن طاعتهم آمنا من معصيتهم ثم علل ذلك لأنه لا تضره معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه لأن الذي يتأثر ويخضع للنفع والضرر يكون محتاجا والمحتاج فقير واللّه هو الغني المطلق فمن أطاع اللّه نفع نفسه لأنه سبحانه لا يأمر إلا بمصلحة تعود على هذا الإنسان بالنفع كما أن من تمرد على اللّه وعلى أمره لا يضره وإنما يضر نفسه لأنه لا ينهى إلا عن مفسدة مضرة بهذا الإنسان فمن ارتكب الحرام أضرّ بنفسه وسبّب لها الانحطاط والتأخر وأما اللّه فلا يتأثر بشيء من ذلك . . . ( فقسم بينهم معايشهم ووضعهم من الدنيا مواضعهم ) فهو سبحانه الذي أعطى كل فرد حق الحياة أعطاه أيضا ما يعيش به ويكمل شوط الحياة بحيث لا يموت من الجوع وقول الإمام هذا مأخوذ من قول اللّه : ( 1 ) نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا .
--> ( 1 ) سورة الزخرف ، آية - 32 .